فــن الاستدراج و الغواية :
لقد نشأت البشرية على مبدأ الصراع بين فسطاطين كبيرين، متمثلا بصراع معسكر الخير مع معسكر الشر منذ الأزل. ومن المتعارف عليه أنه لكل معسكر منهما أساليبه و جنوده في هذا الصراع الأزلي.
ولقد عرفت البشرية الشيطان أو إبليس كرمز للشر المطلق، وقد عُرف إبليس أو الشيطان، في جميع الحضارات القديمة وفي أساطير الأولين وفي جميع العقائد الدينية، بأسماء مختلفة تتفق جميعها في الدلالة على الشر وعلى المعصية والاستكبار.
ولقد برع هذا المخلوق "الشرير" في استهداف المعسكر الخيري منذ الأزل، بسلاح بسيط لكنه حاد ودقيق وصعب الإدراك ألا وهو الاستدراج و الغواية. و لم يكن بمقدور الإنسان أن يبتعد عن خطوات استدراجه إلا إن كان على علم بأسلوبه وطرقه وأن يكون محتاطا منه على مدار الوقت. كما ورد في صحف موسى عليه السلام :" يا موسى , لا تدع محاربة الشيطان ما دام روحك في بدنك , فإنه لا يدع محاربتك أبدا…."
والاستدراج و الغواية فن وعلم، وليس بمقدور المخلوقات ذوي الذكاء المحدود قدرة على ممارسة هذا الفن، فإبليس أو الشيطان حينما حظي بهذه المهمة القذرة، كان من أذكى المخلوقات التي خلقها الله و لذا كان يمارس فنه في الغواية والاستدراج بأسلوب متقن و بارع سقط فيه بداية البشرية وعنصراها الأساسين "آدم و حواء عليهما السلام" على الرغم من أن هناك تحذيرات لهما وعلم مسبق بأسلوبه وأدواته ولهما مكانة عند الخالق عز وجل.
ولذا نجد أن محترفي الغواية و الاستدراج من أتباع معسكر الشر هم أكثر الناس حنكة وأكثرهم دهاءً ومكرا وهم أتباع الشيطان بلا منازع، حتى أن بعضهم قد فاق الشيطان فأصبح الشيطان يتبع له و يأخذ تعليماته منه "فأتبعه الشيطان فكان من الغاويين".
ولذا تجدان أكثر الناس الذين يتم ترشيحهم للعمل في المجال ألاستخباراتي وتجنيد العملاء في معظم دول العالم، هم من الناس الأكثر مكرا ودهاء و لا ينتمون لعقيدة ثابتة أو مبدأ سوى مبدأ الغواية والاستدراج للوصل لإسقاط و تبعية المستهدف حتى وقوعه للحضيض، ولهم متعة ولذة وشبق لممارسة هذا الأسلوب الشيطاني.
ولذا فان شياطين الغواية لا يهمهم الناس العاديين أو البسطاء، فهم كاللعبة في أيديهم يسخرونهم ويلعبون بهم كيفما يشاءون، ولكن المستهدفين دوما هم أقطاب المعسكر الخيري، لأن بسقوطهم يسقط المعسكر ككل.
و شياطين الغواية لا تستهدف أقطاب المعسكر الخيري لتضمها للعمل معها ضمن نفس المعسكر، لا طبعا، و لكن تريد تحييدها ووقف تأثيرها المضاد ومن ثم حرقها أمام جمهورها و أمام أتباعهم، لأن أقطاب معسكر الشر لا تريد لها في معسكرها منافسين أذكياء قد يصبحوا مكانهم.
ولذا فإن أشد الناس مستهدفين و عليهم التحصُّن والحذر الشديد من شياطين الغواية هم أعلام وأقطاب معسكر الخير و الداعين على صراطه المستقيم، لأن عاقبتهم وخيمة إن هم تنازلوا خطوة واحدة لشياطين الغواية.
والشيطان معروف بأنه ليس مجرد يطلب منك زلة أو سيئة و لكنه دوما يستهدف سقوطك الكامل ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) ....
خطوة ثم خطوة .... ثم خطوات..... ثم هبوط حاد نحو هاوية الجحيم....!!!
المصيبة الكبرى أنه وبعد السقوط المرير، تجد أن شيطان الغواية يقف في نهاية الأمر ليدعي بأنه أكثر منك إيماناً وتقوى وأنه لا زال يخاف الله رب العالمين فيما أنت تجرأت على ربك وعصيته وتستحق جهنم و بئس المصير.
وكذلك أيضا شياطين الإنس كما شياطين الجن حينما يرون إنسانا تقيا وقورا مبدعا يستدرجونه بغواية فائقة ليردوه ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) ، ثم بعد ذلك لا يكتفوا بتساويه معهم ولكن يريدوه أقل منهم في المجتمع فيفضحوه ليصبح صفرا ويظهروه بأنه خائن لدينه، وطنه، شعبه، قبيلته، جماعته ......الخ ....!!!
في النهاية لا أجد أبلغ من الحديث التالي لأختم به والذي يصف فن الغواية الأزلية وفظاعة النهاية التي يختم بها لإنسان المستدرج و الذي يقع في حبائل هؤلاء الشياطين:
جاء في الحديث عن عبد الله بن عباس: كان راهب من بني إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته, وكان يُؤتى من كلّ أرض فيُسأل عن الفقه, وكان عالما, وإن ثلاثة إخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن الناس, وإنهم أرادوا أن يسافروا, فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة, فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها فقال أحدهم: أدلكم على من تتركونها عنده؟ قالوا: من هو؟ قال: راهب بني إسرائيل, إن ماتت قام عليها. وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليه فعمدوا إليه فقالوا: إنا نريد السفر, ولا نجد أحدا أوثق في أنفسنا, ولا أحفظ لما وُلّيَ منك لما جعل عندك, فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك فإنها ضائعة شديدة الوجع, فإن ماتت فقم عليها, وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع, فقال: أكفيكم إن شاء الله فانطلقوا فقام عليها فداواها حتى بَرَأت, وعاد إليها حسنها, فاطلع إليها فوجدها متصنعة, فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها, فحملت, ثم ندمه الشيطان فزين له قتلها قال: إن لم تقتلها افتضحت وعرف شبهك في الولد, فلم يكن لك معذرة, فلم يزل به حتى قتلها, فلما قدم إخوتها سألوه ما فعلت؟ قال: ماتت فدفنتها, قالوا: قد أحسنت, ثم جعلوا يرون في المنام, ويخبرون أن الراهب هو قتلها, وأنها تحت شجرة كذا وكذا, فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت, فعمدوا إليه فأخذوه, فقال له الشيطان: أنا زيّنت لك الزنا وقتلها بعد الزنا, فهل لك أن أنجيك؟ قال: نعم, قال: أفتطيعني؟ قال: نعم قال: فاسجد لي سجدة واحدة, فسجد له ثم قتل, فذلك قوله تعالى فـي تأويـل قوله تعالى: {كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيَءٌ مّنكَ إِنّيَ أَخَافُ اللّهَ رَبّ الْعَالَمِينَ }.
بقلم د/عصام مرتجى
